ملا محمد مهدي النراقي
121
انيس المجتهدين في علم الأصول
وأنكر الكعبي المباح بالمعنى المذكور وقال : كلّ مباح إمّا واجب بعينه ، أو مقدّمة له ، وهي أيضا واجبة . واستدلّ على وجوبه : بأنّه إمّا عين ترك الحرام ، كإطباق الفم ، فإنّه ترك القذف . أو مقدّمة لتركه ، كالكلام وإطباق الفم لترك شرب الخمر ؛ فإنّه لا يتمّ إلّا بهما أو بأمثالهما من الأمور المباحة ، وترك الحرام وما لا يتمّ ترك الحرام إلّا به واجب « 1 » . وقد ذكر القوم لإبطال استدلاله وجوها : منها : أنّه يلزم أن يكون واجب - كالصلاة مثلا - حراما ، إذا صار فعلها سببا لترك واجب ؛ لأنّ سبب الحرام حرام ، فيكون الشيء الواحد حراما واجبا « 2 » . ولا يخفى ما فيه ؛ لإمكان أن يلتزمه بالاعتبارين . ومنها : أنّ المسلّم وجوب المقدّمة الشرعيّة دون العقليّة والعاديّة « 3 » . ولا يخفى ما فيه أيضا ؛ لما سيجيء « 4 » . ومنها : أنّ قوله : « المباح [ ما ] لا يتمّ الواجب « 5 » إلّا به » غير مسلّم ؛ لأنّه غير معيّن ؛ لإمكان الحصول « 6 » بغيره « 7 » . وفيه : أنّ هذا ينفي الوجوب العيني ، ويثبت التخييري « 8 » ، وهو كاف . ويمكن أن يحرّر هذا الجواب بوجه لا يرد على القوم شيء ، بأن يقال : إذا بني الأمر على وجوب المقدّمات الشرعيّة والعقليّة ، فلا بدّ أن يقال : إذا كان شيء حراما وكان واجب الترك ، لا يتحقّق هذا الترك إلّا في ضمن واحد من الأمور المباحة ، وليس واحد منها معيّنا له ، بل كلّ واحد منها يصلح له ، فالمقدّمة للترك أمر كلّي مشتمل على أفراد كثيرة ، وكلّ واحد منها مباح عينا ، وإن كان فردا لمفهوم كلّيّ هو واجب يمكن أن يتحقّق في ضمنه ،
--> ( 1 إلى 3 ) . حكاهم الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 1 : 168 - 169 . ( 4 ) . أي في مقدّمة الواجب راجع ص 134 وما بعدها . ( 5 ) . والمراد به هو ترك الحرام . ( 6 ) . أي حصول الواجب وهو ترك الحرام . ( 7 ) . حكاه الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 1 : 169 . ( 8 ) . في « ب » : « التخيير » .